منير سلطان

158

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

وبنائها على الترتيب الواقع في غرائز أهلها ، وكذلك أنت محتاج بعد هذا إلى حركات هذه الأسماء والأفعال والحروف ، فإن الخطأ والتحريف في الحركات ، كالخطإ والفساد في المتحركات » ثم يقول : معاني النحو منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته ، وبين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها ، وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير ، وتوخى الصواب في ذلك وتجنب الخطأ من ذلك ، وإن زاغ شئ عن هذا النعت ، فإنه لا يخلو من أن يكون شائغا بالاستعمال النادر والتأويل البعيد ، أو مردودا لخروجه عن عادة القوم الجاري على فطرتهم « 1 » . ليس هذا فقط . ففي كتاب المجاز لأبى عبيدة ، نجد حديثا عن التقديم والتأخير حين يقول : ومن مجاز المقدم والمؤخر قال « فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزّت وربت » أراد ربت واهتزت وقال « ولم يكد يراها » أي لم يرها ولم يكد « 2 » . والمبرد ، لم يفته أن يبين علاقة النظم بالمعنى ، فيقول : إذا قلت جاءني عبد الله الفاسق الخبيث ، كنت عرّفته بالخبث والفسق ، وهذا أبلغ في الذم أن يقيم الصفة مقام الاسم « 3 » . والخطابي - أبو سليمان حمد بن محمد - له رسالة رائعة في « بيان إعجاز القرآن » يحدثنا فيها عن أقسام الكلام الفاضل بأن « القسم الأول أعلى طبقات الكلام وأرفعه ، والقسم الثاني أوسطه وأقصره ، والقسم الثالث أدناه وأقربه ، فحازت بلاغات القرآن من كل قسم حصة ، وأخذت من كل نوع من أنواعها شعبة ، فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة ، وهما على الانفراد في نعوتهما كالمتضادين ، لأن العذوبة نتاج السهولة ، والجزالة والمتانة في الكلام تعالجان نوعا من الوعورة ، فكان اجتماع الأمرين في نظمه مع نبوّ كل منهما على الآخر فضيلة خصّ بها القرآن » ثم يستطرد قائلا « وإنما تعذر على البشر الاتيان بمثله لأمور : منها أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة

--> ( 1 ) أبو حيان التوحيدي - الإمتاع والمؤانسة 1 / 108 - وما بعدها - ط مكتبة الحياة - بيروت . وانظر النص في ياقوت الحموي - معجم الأدباء - 2 / 190 وما بعدها . ( 2 ) أبو عبيدة معمر بن المثنى - مجاز القرآن - 1 / 12 . ( 3 ) المبرد - الكامل - 2 / 120 وقد رجع الجرجاني إلى المبرد في الأسرار في 41 و 286 .